ضع الكرة في نقطة الجزاء، عُد إلى الخلف، تنفس بعمق، ركز جيدًا، تقدم نحو الكرة بثقة، الآن حانت اللحظة، اركل الكرة من أسفل لترتفع قليلًا لتتحرك على هيئة قوس، الحارس اختار جهته والكرة استقرت في منتصف الشباك، لقد نجحت في رسم لوحة رائعة فيها من الإبداع الشيء الكثير، لقد نجحت في تنفيذ ركلة من أجمل وأصعب ركلات الساحرة المستديرة، لقد نجحت في تنفيذ ركلة جزاء على طريقة بانينكا، المُخلدة في تاريخ كرة القدم منذ سبعينيات القرن الـ 20.
على طريقة بانينكا.. هذه هي العبارة التي تُطلق على ركلة الجزاء التي يُسجلها أي لاعب بنفس الأسلوب الذي اتبعه لاعب منتخب تشيكوسلوفاكيا “أنتونين بانينكا” في مباراة نهائي بطولة كأس أمم أوروبا 1976..فما هي قصة بانينكا وما حكاية تلك الطريقة التي خلدت في تاريخ اللعبة باسمه حتى وقتنا هذا؟
كلما سدد أحد اللاعبين ضربة جزاء في منتصف المرمى وبطريقة هادئة، يبرز اسم بانينكا ويعود على الساحة الرياضية، ويبدأ الناس في القول بأن فلان نفذ ركلة بانينكا بطريقة رائعة أو بطريقة سيئة وهكذا، لكن البعض منّا قد لا يعرف قصة بانينكا (مُبتكر تلك الضربة ومنفذها الأول في التاريخ)، ولماذا يستحق أن يُذكر اسمه كلما سُددت ضربة جزاء بهذه الطريقة.
من هو بانينكا؟
أنتونين بانينكا، هو لاعب كرة قدم تشيكي سابق من مواليد عام 1948، لعب لمنتخب تشيكوسلوفاكيا القوي في السبعينيات، واشتهر بركلة جزاء نفذها في نهائي بطولة أمم أوروبا عام 1976، خلال المباراة التي جمعت بين منتخبي ألمانيا الغربية وتشيكوسلوفاكيا.
لعب في مركز الوسط المهاجم مع منتخب تشيكوسلوفاكيا 59 مباراة دولية، وسجل أنتونين بانينكا 17 هدفًا بقميص بلاده المُفككة فيما بعد، فقد انقسمت تشيكوسلوفاكيا في بداية التسعينيات إلى دولتين التشيك وسلوفاكيا.
تأسست تشيكوسلوفاكيا أكتوبر عام 1918، وظلت قائمة حتى تفككها السلمي في 1 يناير 1993 لتنقسم إلى دولتين هما جمهورية التشيك وجمهورية سلوفاكيا حاليًا.
وبدأ أنتونين بانينكا، المولود في براج يوم 2 ديسمبر، مسيرته الكروية رفقة نادي بوهيميانز براج التشيكي ولعب معه 230 مباراة في الفترة من 1967 إلى 1981 قبل أن يرحل إلى رابيد فيينا ليمثله لمدة 4 سنوات في فترة الثمانينيات، وبعد مغادرته للدوري النمساوي تنقل بين أندية سلوفان فين وهوهيناو وكلينفيسيندورف، والأخير اعتزل بين صفوفه عام 1993.
ويمتلك أنتونين بانينكا نادي طفولته “بوهيميانز براج 1905” في الوقت الحالي، وينشط الفريق في الدوري التشيكي الممتاز بصفة مستمرة، ويدربه لوديك كلوساكيك.
ما قصة ركلة بانينكا أمام سيب ماير؟
قصة ركلة جزاء بانينكا بدأت عندما انتهى الوقت الأصلي والإضافي لنهائي كأس أمم أوروبا 1976 بالتعادل الإيجابي (2/2)، ولجأ الحكم إلى ركلات الجزاء الترجيحية لحسم اللقب.
وبعد ترجمة سبع ركلات بنجاح لكلا الفريقين، أربع ركلات لتشيكوسلوفاكيا، وثلاث ركلات لألمانيا الغربية، أضاع أولي هونيس الركلة الرابعة لمنتخب ألمانيا الغربية، لتصبح النتيجة 4-3 لتشيكوسلوفاكيا. توجه بانينكا لتسديد الركلة الخامسة للمنتخب التشيكوسلوفاكي، التي في حالة تسجيلها يتوجون بالبطولة رسميًا.
واجه أنتونين بانينكا الحارس الألماني المخضرم سيب ماير، وقرر أن يُسدد الكرة بطريقة ساقطة وهادئة في منتصف المرمى لتسكن الكرة الشباك، فيما قفز ماير إلى جهة اليسار.
أبهرت تلك الضربة الجميع لكونها غير مألوفة، ونفذت بأعصاب باردة وسط أجواء ضاغطة ومتوترة، حيث كانت المرة الأولى، التي ينفذ بها أحد اللاعبين ركلة الجزاء بهذه الطريقة.
منذ ذلك الحين وتسمية تنفيذ ركلة الجزاء بتلك الطريقة، أصبح مرتبطًا ببانينكا، وهو ما جعلها ماركة مسجلة باسم النجم التشيكي، وكأنها براءة اختراع، تمامًا مثل لعبة النجم الجزائري “رابح ماجر” في تحويل الكرات العرضية إلى المرمى بكعب القدم، والمعروفة بـ “طريقة مادجر”، والقاسم المشترك بينهما “ألمانيا” حيث سجل ماجر بتلك الطريقة هدف بورتو البرتغالي أمام بايرن ميونخ الألماني في نهائي دوري أبطال أوروبا عام 1987.
لماذا خُلدت ركلة بانينكا؟
التسديد بهذه الطريقة يعرفها الكثير، حتى المتابع العادي لابد وأنه شاهدها مرات عديدة، لكن تنفيذها ليس بالأمر السهل، على اللاعب أن يتميز بكاريزما ورباطة جأش حتى يقرر تسديدها بهذا الأسلوب وتحويلها إلى الشباك. أما عواقب إهدارها وخيمة، وليست كعواقب إضاعة ركلة جزاء تسدد بطريقة عادية، كل هذه الصفات كانت متوافرة في العبقري بانينكا الذي اخترع لنا هذه الطريقة في تنفيذ ركلات الجزاء.
ليست الطريقة وحدها من جعلت ركلة جزاء بانينكا أسطورية، بل هناك عامل آخر وهو المناسبة التي نفذت فيها؛ وهو نهائي بطولة أمم أوروبا 1976، الذي جمع بين المنتخب التشيكوسلوفاكي ونظيره الألماني الغربي أفضل منتخب في العالم آنذاك، والفائز بكأس العالم قبل عامين في مونديال 1974.
دخل منتخب ألمانيا الغربية البطولة (يورو 1976) وهو المرشح الأول للتتويج بها، حيث كان يضم بين صفوفه مجموعة من اللاعبين المتميزين في تلك الحقبة، أمثال: فرانز بيكنباور، أولي هونيس، الحارس العملاق سيب ماير، وغيرهم من اللاعبين الكبار الذين شكلوا القوام الأساسي للعملاق البافاري بايرن ميونخ، الذي سيطر على القارة الأوروبية في تلك الفترة، واستطاع تحقيق دوري أبطال أوروبا ثلاث مرات متتالية.
سبب آخر جديد بالذكر يؤكد أسطورية هذه الركلة: هو الحارس الذي نفذت عليه، العملاق الألماني سيب ماير، أحد أفضل حراس المرمى في تاريخ اللعبة، حيث كان يطلق عليه القط نظرًا لخفته ورشاقته الكبيرة، لكنه لم يستطع التعامل مع ركلة بانينكا الخادعة.
عندما تقدم بانينكا لتنفيذ الركلة، وهو يعرف جيدًا من يواجه، واضعًا في حسبانه أن ضربة الجزاء التي سينفذها هي الضربة الأخيرة، التي ستمنح بلاده لقب البطولة الغالية جدًا، إذا نجح في تسجيلها..نجح أنتونين إسكانها شباك سيب ماير، وأتانا بما لم يأت به الآخرون. ضربة جميلة وغريبة في نفس الوقت، لم ير أحد مثيلاً لها من قبل، فقد اذهلت الجميع، وأصابت أفضل حارس مرمى في العالم آنذاك بالجنون.
توتي يُعيد اكتشاف بانينكا
أصبحت مشاهدة ركلة جزاء بأسلوب بانينكا حاليًا تبدو أمرًا مألوفًا؛ فقد فعلها الكثير من نجوم كرة القدم بعد ذلك، ونفذوها بإتقان وبطريقة استعراضية رائعة، لكن إذا كان لأنتونين الفضل في الإتيان بهذه الركلة الرائعة إلى عالم كرة القدم، فهناك اسم له الفضل في إعادة إحيائها وبعثها من الرماد من جديد، بعد أن كسر حاجز خوف كل من يفكر في تنفيذها.
إنه ملك روما الإيطالي فرانشيسكو توتي الذي استعرض مهارته في تنفيذ الركلة بهذا الأسلوب ليقهر حارس مرمى منتخب هولندا، العملاق إيدوين فان دير سار في نصف نهائي يورو 2000. وسار مواطنه أندريا بيرلو على الخطى ذاتها في ربع نهائي نسخة 2012 أمام حارس مرمى المنتخب الإنجليزي جو هارت.
وفرض نجم ريال مدريد الإسباني، سيرخيو راموس اسمه بقوة بين منفذيها في نصف نهائي يورو 2012 أيضًا ضد البرتغال ليصبح مختصًا بها فيما بعد. بدوره لم يترك أسطورة برشلونة الإسباني، ليونيل ميسي ضربة جزاء بانينكا تفلت منه، فقدمها أيضًا لمحبي كرة القدم وعلى طريقته الخاصة في منافسات الدوري الإسباني. أما ضربة الجزاء الأكثر شهرة كان صاحبها الأسطورة الفرنسي زين الدين زيدان، فالحدث كان نهائي بطولة كأس العالم 2006 وحارس المرمى حينها بوفون وما أدراك من هو العنكبوت بوفون.
بانينكا لم يكن لاعبًا كبيرًا، لكن الطريقة التي ابتكرها خلدت اسمه في أرشيف اللعبة. ترك أنتونين إرثًا كرويًا لأجيال القادمة، ولن ينسى التاريخ أن النجم البلجيكي إيدين هازارد قام بتنفيذها في مباراة بالدوري الإنجليزي أمام نيوكاسل، بتاريخ الثاني من ديسمبر 2017 في ذكرى ميلاد بانينكا التاسع والستين، تكريمًا لهذا النجم، الذي عبر عن استيائه باختصار مسيرته في ركلة ترجيحية ونسيان كل شيء آخر.
2010 – "المجنون" أبرو يزيد من حسرة غانا
عندما يأتي ذكر مباراة الأوروغواي وغانا في كأس العالم FIFA جنوب إفريقيا 2010، فإن ركلة الجزاء التي يتذكرها الجميع هي تلك التي أضاعها الغاني أسامواه جيان بعد لحظة من الجنون أو العبقرية أو الخداع من لويس سواريز، لكن الواقع هو أن الركلة التي حسمت تلك المباراة الدراماتيكية سجلها التاريخ باسم سباستيان أبرو.المهاجم الملقب بـ"إل لوكو" أو المجنون، دخل بديلاً لإدينسون كافاني، وأوكلت له مهمة تنفيذ ركلة الجزاء الترجيحية الحاسمة. أبرو لم يكن الأشهر ولا الأفضل في تاريخ الأوروجواي، لكن في تلك اللحظة التي نفذ فيها البانينكا كان اللاعب الأحب إلى قلوب جمهور السيليستي وأثبت أن الجنون وجه آخر للعبقرية.
2018 – البانينكا تنهي مغامرة أصحاب الأرض
2022 – المغربي حكيمي يقتل آمال إسبانيا
لم يكن المغاربة أصحاب الأرض في 2022 لكن الأجواء الجماهيرية في قطر لم تكن مختلفة عما هو الحال عليه في الرباط أو الدار البيضاء عندما واجه أسود الأطلس جيرانهم الإسبان أحد أقوى المرشحين للبطولة. 120 دقيقة من القتال على كل كرة أعلنت نهاية المواجهة دون أهداف.
المغربي أشرف حكيمي ينضم إلى قائمة منفذي ركلات الجزاء على طريقة "بانينكا" في كأس العالم FIFA بعد تسجيله في مرمى إسبانيا
عندما قرر الظهير المغربي أشرف حكيمي بكل هدوء أن ينفذ ضربة الجزاء الحاسمة أمام منتخب إسبانيا بتلك الطريقة، لم يكن يكتب تاريخًا جديدًا لبلاده فحسب، بل كان أيضًا يكتب الفصل التالي في سلسلة عنوانها "بانينكا" بدأ تاريخها قبل 22 عام من مولده.
"إما عبقري أو مجنون"، بين الإثنين خط رفيع جدا في التاريخ، فالكثير من أصحاب الأفكار العبقرية اتُهموا بالجنون، أما الكلمات السابقة فاستخدمها أسطورة كرة القدم بيليه لوصف لاعب الوسط التشيكي أنتونين بانينكا بعد إحرازه ركلة الترجيح الحاسمة في نهائي بطولة أمم أوروبا 1976 بالطريقة التي أصبحت تحمل اسمه إلى يومنا هذا.
شاهد كيف استدعى أشرف حكيمي روح سيباستيان أبرو لتسديد ركلة جزاء فائزة بكأس العالم FIFA قطر ٢٠٢٢
سجل الإسبان المتواضع في ركلات الترجيح استمر بإضاعتهم للركلات الثلاث الأولى بينما سجل عبدالحميد صابيري وحكيم زياش اثنتين من المحاولات الثلاث الأولى للمغرب. سيناريوهات كرة القدم منحت ركلة الحسم لأشرف حكيمي المولود في العاصمة الإسبانية مدريد، ولم يتردد الظهير الأيمن في صناعة التاريخ المغربي على طريقة بانينكا، معلنًا أول وصول لأسود الأطلس إلى ربع النهائي عبر تقليد كروي لا يجرؤ على تكراره إلا القلة من العباقرة الذين أثبت حكيمي أنه ينتمي إليهم.

